ابراهيم بن عمر البقاعي
345
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
مبلغ في البيان وإعذار ، ثم قال تعالى : وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ففرق سبحانه بسابق حكمته فيهم إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ وانقضى ذكر القصص فلم يتعرض لها مستوفاة على هذا المساق فيما بعد إلى آخر الكتاب - فسبحان من رحم به عباده المتقين وجعله آية وأي آية باهرة إلى يوم الدين ، وقطع عناد الجاحدين وغائلة المعتدين وجعله بيانا كافيا ونورا هاديا وواعظا شافيا - جعلنا اللّه سبحانه وتعالى ممن اهتدى واعتلق بسببه إنه أهل الاستجابة والعفو والمغفرة - انتهى . [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 2 إلى 7 ] وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ( 2 ) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ( 3 ) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ ( 4 ) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ ( 5 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ ( 6 ) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ ( 7 ) ولما كان التقدير : فأعرض الكفار عن آية انشقاقه وقالوا : سحر ، مع علمهم بأنه دال قطعا على صدق من انشق لتصديقه ، عطف عليه الإعلام بحالهم في المستقبل فطما لمن يطلبه من المؤمنين إجابة مقترحة من مقترحاتهم رجاء إيمانهم فقال : وَإِنْ يَرَوْا أي فيما يأتي آيَةً أي أية آية كانت يُعْرِضُوا أي عن الانتفاع بها كما أن أعرضوا عن هذه لما رأوها ، وقال بعضهم : سحر ، وقال بعضهم : أمهلوا حتى يجيء السفار ، فإن قالوا : إنهم رأوا كما رأيتم فليست بسحر ، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر أهل الأرض كلهم ، فجاء السفار وشهدوا برؤيته منشقا ، ومع ذلك فلم يؤمنوا وَيَقُولُوا أي على سبيل التجديد منهم والاستمرار : هذا سِحْرٌ أي هذا الذي يأتينا به هذا الرجل من وادي الخيال الذي لا حقيقة له وهو مُسْتَمِرٌّ * أي لأنه فارق السحر بأنه لا ينكشف في الحال لأنه محكم ثابت دائم بشموله وإحاطته بجميع الأنواع ، ولذلك يتأثر عنه غاية الخوارق المتباينة الأنواع الكثيرة . ولما فطم عن التشوف إلى إجابتهم في المقترحات على ما قدرته ، تسبب منهم عن الانشقاق بقوله : وَكَذَّبُوا أي بكون الانشقاق دالا على صدق الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وجزموا بالتكذيب عنادا أو خبثا منهم . ولما كان التكذيب في نفسه قد يكون حقا ، قال مبينا أنه باطل ، فبين عن حالهم بقوله : وَاتَّبَعُوا أي بمعالجة فطرهم الأولى المستقيمة في دعائها إلى التصديق أَهْواءَهُمْ أي حتى نابذوا ما دلتهم عليه بعد الفطر الأولى عقولهم ، قال القشيري : إذا حصل اتباع الهوى فمن شؤمه يحصل التكذيب ، لأن اللّه سبحانه وتعالى يلبس على قلب صاحبه حتى لا يستبصر الرشد ، واتباع الرضى مقرون